ابن أبي الحديد

431

شرح نهج البلاغة

مما عند الله تعالى إلى ما عند غيره سبحانه : ومنها أن يعقد ضميره وقلبه على محبة الله تعالى ، ويشرب بالكأس الروية من حبه . ومنها عظم التقوى بحيث يأمن كل شئ عدا الله ، ولا يهاب أحدا إلا الله . ومنها الخشوع والخضوع والإخبات والذل لجلال عزته سبحانه . ومنها الا يستكثر الطاعة والعمل ، وإن جل وعظم . ومنها عظم الرجاء الواقع في مقابلة عظم الخوف ، فإن الله تعالى يحب أن يرجى ، كما يحب أن يخاف . * * * [ أبحاث تتعلق بالملائكة ] واعلم أنه يجب أن تعلم أبحاث متعددة تتعلق بالملائكة ويقصد فيها قصد حكاية المذهب خاصة ، ونكل الاحتجاج والنظر إلى ما هو مذكور في كتبنا الكلامية . البحث الأول في وجود الملائكة : قال قوم من الباطنية : السبيل إلى إثبات الملائكة هو الحس والمشاهدة ، وذلك أن الملائكة عندهم أهل الباطن . وقالت الفلاسفة : هي العقول المفارقة ، وهي جواهر مجردة عن المادة لا تعلق لها بالأجسام تدبيرا ، واحترزوا بذلك عن النفوس ، لأنها جواهر مفارقة إلا أنها تدبر الأبدان ، وزعموا أنهم أثبتوها نظرا . وقال أصحابنا المتكلمون : الطريق إلى إثبات الملائكة الخبر الصادق المدلول على صدقه ، وفى المتكلمين من زعم أنه أثبت الملائكة بطريق نظري ، وهو أنه لما وجد خلقا من طين وجب في العقل أن يكون في المخلوقات خلق من الهواء وخلق من النار فالمخلوق من الهواء هو الملك والمخلوق من النار الشيطان . * * *